الرئيسية ← الدروس

الدرس 14: الازدواجية اللغوية والتناوب اللغوي

د. محمود شوش · Dr. Öğr. Üyesi Mahmud ŞUŞ

Diglossia ve Kod Değiştirme

من فيرغسون إلى الواقع العربي المعاصر

أهداف الدرس

  • يشرح الطالب نظرية الازدواجية ومعاييرها.
  • ينقدها في ضوء المستويات الوسيطة.
  • يحلّل نصًّا فيه تناوب لغوي ويفسّر دوافعه.

المتن

قدّم فيرغسون سنة 1959 مفهوم الازدواجية اللغوية واصفًا حالة تتعايش فيها صورتان من اللغة نفسها: صورة عليا تُتعلَّم في المدرسة وتُستعمل في الخطاب الرسمي والكتابة والتعليم، وصورة دنيا تُكتسب في البيت وتُستعمل في الحياة اليومية، ولكل منهما وظائفها المتمايزة ومكانتها وأدبها. والعربية عنده مثال نموذجي إلى جانب الألمانية السويسرية واليونانية. ثم وُجّهت إلى النموذج انتقادات جوهرية، أهمها أنه ثنائي حادّ بينما الواقع متدرّج كما بيّن بدوي، وأنه ساكن لا يفسّر الحركة والتفاوض اليومي بين المستويين. وإلى جانب الازدواجية تعمل ظاهرة التناوب اللغوي، وهي انتقال المتكلم بين لغتين أو مستويين داخل الحديث الواحد، وقد يقع بين جملتين أو داخل الجملة الواحدة. وليس التناوب عجزًا لغويًّا كما يُظن، بل استراتيجية تواصلية مقصودة: يستعملها المتكلم للاقتباس، ولتغيير المخاطَب، ولتوكيد الانتماء، ولإضفاء الطابع الرسمي أو الحميمي، ولتحديد الموضوع. ومن هنا يُدرس التناوب بوصفه سلوكًا منظّمًا له قواعد بنيوية ووظائف اجتماعية.

الأفكار الرئيسة

  • الازدواجية: صورتان بوظائف متمايزة داخل لغة واحدة.
  • النقد الأهم: الواقع متدرّج ومتحرك لا ثنائي ساكن.
  • التناوب اللغوي استراتيجية مقصودة لا عجز.
  • لكل تناوب دافع: اقتباس، انتماء، رسمية، تغيير موضوع.

مباحث مختصرة

  • نظرية فيرغسون: البنية الثنائية ومعاييرها التسعة: لم يكتفِ فيرغسون في مقالته التأسيسية بوصف عام لتعايش صورتين من اللغة، بل حدّد تسعة معايير دقيقة تميّز الصورة العليا (H) عن الصورة الدنيا (L) في مجتمعات الازدواجية، منها الوظيفة (H للخطبة والمحاضرة والصحافة، L للحديث اليومي والأفلام الشعبية)، والهيبة (H تحظى بتقدير رسمي معلن، بينما L تُوصف أحيانًا بأنها «فاسدة» رغم استعمالها الفعلي الشامل)، والتراث الأدبي (H مرتبطة بتراث مكتوب عريق، وL شفهية غالبًا)، والاكتساب (H تُتعلَّم في المدرسة بقواعد صريحة، وL تُكتسب طبيعيًّا في البيت)، والتقعيد (H موصوفة في معاجم ونحو مدوَّن، وL أقل تقعيدًا رسميًّا رغم انتظامها البنيوي الداخلي)، والاستقرار (البنية الثنائية مستقرة عبر أجيال طويلة لا حالة عابرة)، والنظام الصوتي والنحوي والمعجمي (فروق منتظمة بين الصورتين في كل هذه المستويات). واختار فيرغسون العربية مثالًا رئيسًا إلى جانب الألمانية السويسرية واليونانية (قبل حسم الصراع فيها لصالح الديموطيقية) والكريولية الهايتية، معتبرًا أن هذه الحالات الأربع تمثّل نموذجًا نقيًّا للازدواجية يختلف جوهريًّا عن الثنائية اللغوية العادية التي تشمل لغتين منفصلتين تمامًا لا صورتين من نظام واحد.
  • النقد البنيوي لنموذج فيرغسون: من الثنائية إلى التدرّج: تعرّض النموذج الفيرغسوني لنقد بنيوي متراكم أهمّ ملامحه ما قدّمه سعيد بدوي في دراسته الرائدة عن مستويات العربية المعاصرة في مصر، إذ بيّن أن الواقع اللغوي لا يقبل الاختزال في ثنائية حادة (فصحى/عامية) بل يتوزّع على سلسلة متصلة من المستويات لا حدود قاطعة بينها: فصحى التراث، وفصحى العصر، وعامية المثقفين، وعامية المتنورين، وعامية الأميين، وهي مستويات تتداخل عمليًّا في الخطاب الواحد بحسب الموضوع والمخاطَب والسياق، بحيث ينتقل المتكلم المتعلم بين هذه المستويات بسلاسة داخل الجملة الواحدة أحيانًا دون وعي كامل بحدود فاصلة. وأضاف هارولد بلانك (Blanc) في دراسته للعربية العراقية مفهوم «العربية المتوسطة» (Educated Spoken Arabic) بوصفها صيغة وسيطة يستعملها المتعلمون في النقاشات الجادة وغير الرسمية معًا، وهي صيغة تخلط سمات فصيحة (معجم، بعض التراكيب) بسمات عامية (نظام صوتي، صرف الأفعال) دون أن تنتمي بحتًا لأي من الطرفين.
  • التناوب اللغوي: التمييز البنيوي بين أنواعه: يميّز الباحثون في التناوب اللغوي (code-switching) بين أنماط بنيوية متعددة له، أهمها التناوب بين الجمل (inter-sentential switching) حيث يتحوّل المتكلم من لغة إلى أخرى عند حدّ الجملة، والتناوب داخل الجملة الواحدة (intra-sentential switching) وهو الأعقد بنيويًّا لأنه يستوجب دمج نظامين نحويين مختلفين في تركيب واحد متماسك، والتناوب الظرفي الملحق (tag-switching) الذي يقتصر على إدراج كلمة أو عبارة ثابتة من لغة أخرى (كأداة تعجب أو ختام كلامي) دون تغيير بنيوي عميق. وقد قدّمت Myers-Scotton في نموذجها الشهير عن الإطار النحوي المائز (Matrix Language Frame Model) تفسيرًا بنيويًّا دقيقًا لكيفية انتظام التناوب داخل الجملة الواحدة، مفترضة أن إحدى اللغتين تزوّد الإطار النحوي العام للجملة (اللغة المائزة) بينما تسهم اللغة الأخرى بعناصر معجمية مضمَّنة داخل هذا الإطار دون أن تخلّ ببنيته الصرفية النحوية الأساسية.
  • الوظائف الاجتماعية للتناوب اللغوي: بعيدًا عن تفسيره بنيويًّا محضًا، درس علماء اللغة الاجتماعي التناوب اللغوي من زاوية وظيفية تفسّر لماذا يلجأ المتكلم إليه في لحظة بعينها دون أخرى، وحدّدت جامبرز غامبرز (Gumperz) في دراساتها التأسيسية عن هذه الظاهرة وظائف متعددة أبرزها: الاقتباس المباشر لكلام قيل بلغة أخرى، وتحديد المخاطَب حين يتحوّل المتكلم للتوجه إلى شخص آخر ضمن الجلسة نفسها، والتأكيد على الانتماء الجماعي حين يستعمل المتكلم لغة الجماعة الداخلية للتعبير عن التضامن، وإضفاء الطابع الرسمي أو الحميمي على جزء من الحديث، وتحديد تحوّل الموضوع من مجال إلى آخر (كالتحوّل إلى لغة العمل عند الحديث عن أمور مهنية داخل حديث أسري). وفي السياق التركي المعاصر يُلاحَظ أن طلبة الجامعات من أصول عربية (كالمنحدرين من ماردين أو هَتاي) يستعملون التناوب العربي-التركي بكثافة في محادثاتهم اليومية بحسب هذه الوظائف بعينها: فالتحول إلى التركية غالبًا مصاحب لموضوعات أكاديمية أو رسمية تعلّموها بالتركية حصرًا، بينما يبقى التعبير العاطفي والحميمي والدعابة بالعربية المحلية، وهذا التوزيع الوظيفي يعكس بدقة التوزيع التعليمي والاجتماعي الفعلي للغتين في حياة هؤلاء المتكلمين، ويؤكد أن التناوب مرآة دقيقة لبنية الهوية الثنائية لا خللًا عارضًا فيها.

مصطلحات أساسية

المصطلحTerimالتعريف
الازدواجية اللغويةDiglossiaتعايش صورتين من لغة واحدة بوظائف متمايزة.
التناوب اللغويKod değiştirmeالانتقال بين لغتين أو مستويين في الحديث الواحد.
الثنائية اللغويةİki dillilikاستعمال لغتين مختلفتين لا صورتين من لغة واحدة.
الصورة العليا/الدنياYüksek/düşük değişkeتمييز فيرغسون بين مستوى رسمي وآخر يومي.
العربية الفصيحة المحكية للمتعلمينEğitimli Konuşulan Arapça (ESA)صيغة وسيطة يستعملها المتعلمون تخلط معجمًا فصيحًا ببنية صوتية وصرفية عامية، وصفها هارولد بلانك.
نموذج الإطار النحوي المائزMatris Dil Çerçevesi Modeliنظرية Myers-Scotton التي تفسّر التناوب داخل الجملة بلغة مائزة تزوّد الإطار النحوي ولغة مضمَّنة تسهم بعناصر معجمية.

أمثلة حيّة

  • تناوب داخل الجملة: عربي-تركي: «هلّق رح روح عالـ ders، بعدين منحكي»، عربي-إنجليزي: «بعتلك الـ file على الإيميل»، فصحى-عامية: «كما تعلمون جميعًا... يعني الموضوع مش سهل»
  • لا بأس، سأنتظر (Sorun değil, bekleyeceğim): تناوب عربي-تركي (ماردين): «معليش، bekleyeceğim»، الفصحى المعيارية: «لا بأس، سأنتظر»، العامية الشامية: «ولا يهمك، رح ستنى»، العامية المصرية: «معلش، هستنى»
  • قاعة درس — ماردين: «هذه الظاهرة، yaʕni hāḏa š-šī illi ḥakēna ʕanno, önemli jiddan.» = هذه الظاهرة، أي هذا الشيء الذي تكلمنا عنه، مهمّة جدًّا.. ثلاث شيفرات في جملة واحدة (فصحى + عامية + تركية)؛ التبديل يقع عند حدود العبارة لا عشوائيًّا.
  • منشور فيسبوك: «اللهم بلغنا رمضان… و ربنا يسهّل علينا كلنا يا رب 🙏». دعاء بالفصحى يليه تعليق بالعامية: توزيع وظيفي تقليدي يعاد إنتاجه في وسيط جديد.
  • مقابلة تلفزيونية: «النتيجة، ya ʕammi, mā fī ḥall.» = النتيجة، يا عمّي، لا يوجد حلّ.. العامية تُستعمل علامة تضامن (solidarity marker) داخل خطاب فصيح.

دراسة حالة: تحليل مقطع تناوب عربي-تركي في حديث طالب جامعي من أصل ماردينيّ

يوضح هذا المقطع بجلاء أن التناوب هنا محكوم بتوزيع وظيفي منتظم يطابق نموذج غامبرز: فالتحول إلى التركية مرتبط حصرًا بالمجال الأكاديمي والإداري الذي تعلّمه المتكلم بالتركية فقط، بينما يبقى التعبير العاطفي والحميمي والحديث الأسري بالعربية المحلية بوصفها لغة الانتماء الأول. كما يظهر توافق واضح مع نموذج الإطار النحوي المائز عند Myers-Scotton، إذ تبقى البنية النحوية العامة عربية في أغلب الجمل المختلطة بينما تُدرَج العناصر التركية (hoca، normalde) كعناصر معجمية مضمَّنة لا تُخِلّ بالإطار الصرفي النحوي العربي المائز، وهذا الانتظام يفنّد تمامًا التصور الشعبي بأن هذا الكلام «مكسور» أو «فوضوي»، ويثبت أنه نظام تواصلي بالغ الدقة يعكس هوية ثنائية اللغة متجذّرة اجتماعيًّا وتعليميًّا.

تصويب مفاهيم شائعة

  • ❌ الازدواجية اللغوية عند فيرغسون تعني وجود لغتين منفصلتين تمامًا كالعربية والفرنسية.
    ✅ الازدواجية بالمعنى الفيرغسوني الدقيق تخص صورتين من اللغة نفسها (فصحى وعامية) لا لغتين منفصلتين، وهذا ما يميّزها اصطلاحًا عن الثنائية اللغوية (bilingualism) التي تخص لغتين مستقلتين فعلًا.
  • ❌ التناوب اللغوي بين العربية والتركية دليل ضعف لغوي أو عجز عن إتقان أي من اللغتين.
    ✅ أثبتت الدراسات البنيوية كنموذج Myers-Scotton أن التناوب سلوك محكوم بقواعد نحوية دقيقة يتقنها المتكلم الثنائي اللغة إتقانًا عاليًا، وهو غالبًا مؤشر كفاءة ثنائية متقدمة لا نقصًا فيها.

اختبر نفسك

  1. أهم نقد وُجّه لنموذج فيرغسون:
    a) أ. أنه وصفي   b) ب. أنه ثنائي ساكن يهمل التدرّج   c) ج. أنه عربي فقط   d) د. أنه حديث جدًّا
    الإجابة: b — الواقع سلسلة متصلة متحركة كما بيّن بدوي وغيره.
  2. التناوب اللغوي في التصور الحديث:
    a) أ. ضعف لغوي   b) ب. استراتيجية تواصلية منظّمة   c) ج. خطأ نحوي   d) د. ظاهرة نادرة
    الإجابة: b — له قواعد بنيوية ووظائف اجتماعية واضحة.
  3. بحسب بدوي، العلاقة بين مستويات العربية في مصر:
    a) أ. ثنائية حادة فقط   b) ب. سلسلة متصلة من خمسة مستويات متداخلة   c) ج. لا علاقة بينها   d) د. مستوى واحد موحّد
    الإجابة: b — قدّم بدوي نموذجًا خماسيًّا متدرّجًا يفنّد الثنائية الفيرغسونية الحادة.
  4. نموذج Matrix Language Frame يفسّر:
    a) أ. الاقتراض المعجمي فقط   b) ب. آلية دمج لغتين نحويًّا داخل الجملة الواحدة في التناوب   c) ج. الازدواجية الفيرغسونية   d) د. تحوّل الدلالة
    الإجابة: b — قدّمته Myers-Scotton لتفسير كيفية بقاء إطار نحوي مائز مع إدراج عناصر من لغة أخرى.
  5. من وظائف التناوب اللغوي عند غامبرز:
    a) أ. إخفاء المعنى فقط   b) ب. تحديد المخاطَب والتعبير عن الانتماء الجماعي   c) ج. تعقيد التواصل عمدًا   d) د. لا وظيفة له
    الإجابة: b — حدّدت غامبرز وظائف تواصلية دقيقة منها تحديد المخاطَب والتعبير عن التضامن الجماعي.

للنقاش في الحلقة

التناوب العربي-التركي عند طلبة الجامعة: عيّنة وتحليل وظائفي.

قراءات مقترحة

  • Ferguson, «Diglossia», Word 15 (1959).
  • Myers-Scotton, Social Motivations for Codeswitching.
  • محمد علي الخولي، الحياة مع لغتين.

1
الجواب · Cevap